محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

83

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

ومن العلماء من فرّق بين الاسمين ؛ فقال قوم : الرحمن أشدّ مبالغة من الرحيم ؛ لأنّه مبنيّ على فعلان ؛ وهو لا يقع إلّا على مبالغة الفعل نحو غضبان للممتلئ غضبا ؛ وسكران لمن غلبه السّكر . قال أبو عبيدة : الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم هو الراحم ؛ وقال ابن عبّاس في رواية عطاء : الرحمن اللطيف العطوف والرحيم بأوليائه وأهل طاعته ؛ وقال في رواية : الرحمن الرفيق [ و ] الرحيم العطوف ؛ وهما اسمان رفيقان ؛ وقال في رواية أبي صالح إسمان رفيقان ، أحدهما أرقّ من الآخر . قال الحسين بن الفضل : لعلّه قال اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر ؛ وروي عنه أنّه قال : الرحمن العاطف على البرّ والفاجر في الرزق لهم ، وليس في السماوات والأرض رحمن غيره ؛ والرحيم بالمؤمنين خاصة وروي عنه أيضا قال : الرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة ؛ وقال سعيد بن جبير : هو الرحمن لأنّه يعمّ المؤمن والكافر بالرحمة . قال اللّه تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والرحيم هو الذي يختصّ المؤمنين « 1 » بالرحمة . قال تعالى : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وهو قول مقاتل ؛ وروى منصور عن مجاهد قال : الرحمن بأهل الدنيا ، الرحيم بأهل الآخرة ؛ وجاء في الخبر : « يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة . » ومن صار إلى هذا المذهب قال : الرحمن خاصّ الاسم عامّ المعنى ، والرحيم عامّ الاسم خاصّ المعنى ؛ ومعنى ذلك أنّه لا يجوز أن يسمّي أحد باسم الرحمن غير اللّه تعالى ؛ وهو عامّ المعنى من حيث إنّه العاطف على جميع خلقه بالرزق لهم ، ودفع البلاء عنهم ؛ وهو لا يقع إلّا على مبالغة الفعل ؛ وقولنا : الرحيم عامّ اللفظ خاصّ المعنى أنّه قد يسمّى بهذا الاسم غير اللّه تعالى ، كما قال تعالى : بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال في صفة أصحابه : رُحَماءُ بَيْنَهُمْ وقال : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً فالرحيم يختصّ بالمؤمنين . ومن العلماء من صار إلى أنّ الرحيم أبلغ من الرحمن من حيث إنّ رحمته تخصّص بالمؤمنين حقيقة . قال اللّه تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وقال تعالى خبرا عن

--> ( 1 ) . س : بالمؤمنين .